مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

د. حاتم صادق

الخبير الدولي و الأستاذ بجامعة حلوان و رئيس شعبة الميكانيكا

الجائزة..اليورانيوم أو جزيرة "خرج"


دخلت الحرب على إيران أسبوعها الثاني، في وقت تزداد فيه المخاوف من اتساع نطاقها لتشمل دولاً ومناطق أخرى، ولم تبدِ فيه الأطراف المعنية أي بارقة أمل في العودة إلى طاولة المفاوضات. وتؤكد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتضاربة حول الحرب أنه حتى الآن لم يجد مخرجاً يتناسب مع تسارع الأحداث، بينما تغوص القدم الأمريكية في المستنقع الإيراني أكثر فأكثر، فيما تتقلص فرص إنهاء الحرب.
الأمر المؤكد أن إيران نجحت تماماً في استيعاب الضربات الإسرائيلية-الأمريكية غير المسبوقة، والتي تقترب من دخول أسبوعها الثاني. فبعد اغتيال المرشد الأعلى و40 من القيادات السياسية والدينية والعسكرية في أولى ساعات الهجوم، لم يتحرك الشارع الإيراني لإسقاط النظام؛ بعكس ما كان يتوقع دونالد ترامب وحليفه بنيامين نتنياهو. ورغم تدمير مقر مجلس خبراء القيادة وقتل عدد كبير من أعضائه، تم انتخاب ابن خامنئي مرشداً جديداً، وحتى المظاهرات التي شهدتها الساحات كانت دعماً للنظام والمرشد الجديد. وفوق هذا وذاك، بدأ الحرس الثوري في استهداف المدن الإسرائيلية بصواريخ ذات قوة تفجيرية أعلى، مما تسبب في أزمة داخلية تكشف حجم الورطة التي تعيشها الحكومة الإسرائيلية.
ترامب هو الآخر يعاني من انتكاسة لتوقعاته؛ فالضربات الجوية بأحدث الصواريخ والقنابل في الترسانة الأمريكية لم تؤدِ إلى الانهيار المنشود. الساعات تمر والأيام تمضي وكل لحظة تغوص واشنطن أكثر في "فيتنام" جديدة كما بات يصفها الإعلام الأمريكي. وهو الآن يحاول الحصول على "جائزة خاصة" يروج لها كانتصار أمام شعبه والحلفاء الغربيين الذين تركوه وحيداً في حرب خاسرة.
وهذه الجائزة قد تتمثل في العثور على 450 كيلو غراماً من اليورانيوم المخصب. وحالياً تدور نقاشات بين الولايات المتحدة وإسرائيل لإرسال قوات خاصة إلى إيران لتأمين مخزون اليورانيوم عالي التخصيب في مرحلة لاحقة. وهذه الخطوة تسمح لترامب بإعلان منع إيران من الحصول على سلاح نووي، وهو أحد أهم أهداف الحرب. وكان ترامب قد صرح للصحفيين على متن طائرة الرئاسة يوم السبت بأن إرسال قوات برية أمر ممكن ولكن "لسبب وجيه للغاية"، وعندما سُئل تحديداً عن تأمين المواد النووية لم يستبعد ذلك قائلاً: "ربما نفعل ذلك في وقت ما.. لم نقم بذلك بعد".
وتتطلب أي عملية للاستيلاء على المواد وجود قوات أمريكية أو إسرائيلية على الأراضي الإيرانية، وتنقلاً عبر منشآت تحت الأرض شديدة التحصين في خضم الحرب. ومن المرجح أن تشمل المهمة عناصر من القوات الخاصة إلى جانب علماء، وربما خبراء من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. علماً بأن الضربات على المنشآت النووية في يونيو الماضي أدت إلى دفن المخزون تحت الأنقاض، ويقول مسؤولون إن الإيرانيين أنفسهم لم يتمكنوا من الوصول إليه منذ ذلك الحين. لذا؛ فإن محاولة اصطياد اليورانيوم عبر عملية استخباراتية ستكون محل شك، وربما تنتهي بكارثة أو فضيحة مدوية.
وفي إطار البحث عن انتصار سريع، تم طرح فكرة احتلال جزيرة "خرج" الإيرانية التي تمر عبرها حوالي 90% من الصادرات النفطية، وذلك إثر خلافات دبت بين واشنطن وتل أبيب بسبب توسع الأخيرة في استهداف مستودعات الوقود؛ مما أعاد إلى الأذهان كارثة آبار النفط المحترقة عام 1991. كان الرئيس الأمريكي قد وضع استقرار إمدادات النفط كأولوية قصوى، لكن تل أبيب تجاوزت هذا الخط بتدمير 30 مستودعاً للوقود يوم السبت الماضي، وهو أكثر بكثير مما توقعته واشنطن، مما أدى إلى أول خلاف كبير بين الحليفين. فضلاً عن أن هذه الضربات قد تأتي بنتائج عكسية استراتيجياً، فتزيد من التفاف الجماهير حول النظام وترفع أسعار النفط عالمياً، وهو ما حذر منه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف متوعداً بالرد "دون تأخير".
إن تدمير هذه المحطات سيضر بالاقتصاد الإيراني، لكنه هدف قد تستخدمه إسرائيل للضغط كلما شعرت أن الأمور تتجه لفتح حوار مع طهران، خاصة أن تلميحات ترامب الأخيرة تصب في هذا الاتجاه؛ حيث اعتبر اعتذار الرئيس الإيراني لدول الخليج بمثابة استسلام، وطالب بأن يتم اختيار المرشد الجديد بموافقته، مما يعني أن لغة "تغيير النظام" تراجعت لصالح وجود "أشخاص مقبولين" للتفاوض مستقبلاً.
تجاوزت الأحداث في طهران التوقعات الأمريكية؛ فبعد الضربة الأولى التي غيبت رأس النظام وأربعين من قياداته، كان يُفترض -حسب المنطق البرجماتي لترامب- أن ينهار الهيكل السياسي فوراً. لكن ما يواجهه ترامب الآن هو "معضلة البديل الصامد"؛ إذ إن محاولات واشنطن استغلال الفراغ القيادي عبر تحريك ورقة الأقليات القومية في الشمال لم تنجح في اختراق الجدار الشعبي الذي أعاد الالتفاف حول المرشد الجديد. تكمن المشكلة الجوهرية هنا في أن الرئيس الامريكي يدير الأزمة بعقلية "رجل الصفقات" الذي يبحث عن نقاط ضغط مادية كاليورانيوم والنفط، بينما يواجه أزمة سياسية وعقائدية بامتياز، وهي الساحة التي يفتقر فيها البيت الأبيض حالياً لـ "الدهاء الاستراتيجي" اللازم لتحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي.